حين لا تحتاج الهجمات إلى أمر من طهران: اللامركزية تعيد تشكيل القيادة والسيطرة على الفصائل المسلحة في العراق
17 أيلول/سبتمبر 2026
قدمت الهجمات التي انطلقت من الأراضي العراقية خلال الحرب على ايران مشكلة تتجاوز تحديد الجهة التي أطلقت الطائرة المسيّرة أو الصاروخ. ففي بعض الحالات غاب التبني الواضح، أو ظهرت إشارات إلى أن العملية لم تصدر بأمر مباشر من طهران. وقد عزز ذلك تفسيراً يقول إن إيران فقدت جانباً من قدرتها على ضبط حلفائها، أو أن مجموعات صغيرة بدأت تعمل خارج الفصائل التقليدية.
لكن الأدلة المؤكدة منذ ربيع 2026 تقدم تفسيراً مختلفاً. فقد انتقلت أجزاء من الشبكة المسلحة المرتبطة بإيران في العراق إلى درجة أعلى من اللامركزية العملياتية: مستويات ميدانية حصلت على هامش أوسع في اتخاذ قرار التنفيذ، بالتوازي مع استمرار المستشارين الإيرانيين وقنوات التنسيق وغرف العمليات والعلاقات مع الفصائل القائمة.
في نيسان/أبريل، تحدث أعضاء في الفصائل ومسؤولون عراقيون عن عمل الجماعات الأكثر تشدداً ضمن هيكل قيادة لامركزي تحت إشراف مستشارين إيرانيين، يسمح بالتصرف وفق تقديرات الميدان من دون العودة في كل مرة إلى فيلق قدس، وظهرت بالتزامن معلومات عن تشكيل غرفة عمليات مشتركة بين تسعة فصائل، وإجراءات لتغيير وسائل الاتصال والمقار والمركبات وتقليل قابلية الشبكة للاختراق والاستهداف.
لامركزية أكبر في التنفيذ، يقابلها تنسيق أكبر على مستوى الشبكة. وفق هذا التقدير، فإن عبارة «إيران لم تأمر بالهجوم» لم تعد كافية وحدها لنفي صلتها به.
من الأمر المباشر إلى التفويض
تخلق القيادة المركزية نقاط ضعف واضحة في زمن الحرب: قائد يمكن اغتياله، مركز اتصال يمكن اعتراضه، ومقر يمكن استهدافه. أما توزيع الصلاحيات فيسمح باستمرار العمل حتى عند انقطاع الاتصال أو فقدان جزء من القيادة.
ويبدو أن هذا هو جوهر التحول الذي شهدته الشبكة العراقية. فبدلاً من الحاجة إلى أمر منفصل لكل عملية، تستطيع المستويات الأدنى التحرك ضمن اتجاه استراتيجي معروف مسبقاً.
وهنا ينبغي التمييز بين الاستقلال العملياتي والاستقلال الاستراتيجي. فامتلاك فصيل ما حرية تحديد توقيت الهجوم أو طريقة تنفيذه لا يعني بالضرورة استقلاله عن الجهة التي ساهمت في تدريبه وتسليحه وربطه ببقية الشبكة أو تحديد خصومها واتجاهها العام.
وتكتسب تصريحات صدرت من داخل بيئة الفصائل أهمية خاصة في هذا السياق. فقد تحدثت حركة النجباء علناً عن وجود «تنسيق وغرف وقيادة»، مع التأكيد في الوقت نفسه أنها لا تنتظر طلباً من إيران كي تتخذ موقفاً إلى جانبها. هذه الثنائية تختصر النموذج الجديد: وجود التنسيق لا يشترط وجود أمر مباشر.
ومن هنا تصبح اللامركزية ذات فائدتين متزامنتين. عسكرياً، تجعل الفصائل أكثر قدرة على البقاء تحت الضغط وأسرع في اتخاذ القرار. وسياسياً، توسع المسافة بين طهران وبين القرار التكتيكي، بما يمنحها مساحة أكبر لنفي إصدار الأمر.
لكن ذلك لا يعني سيطرة إيرانية مطلقة. فكلما اتسع هامش الميدان، ازدادت أيضاً احتمالات اتخاذ فصيل ما قراراً لا ترغب طهران في توقيته أو مستوى تصعيده. نحن إذن أمام نمط أكثر مرونة وأقل ظهوراً، لكنه أكثر تعقيداً في السيطرة أيضاً.
الخلايا الصغيرة لا تعني الانشقاق
في حزيران/يونيو ظهرت معلومات عن إنشاء الحرس الثوري ثلاث أو أربع خلايا صغيرة في جنوب العراق، تضم كل واحدة نحو عشرة عناصر، وربطت مصادر عراقية بينها وبين عدة هجمات على أهداف خليجية. وأفادت المعلومات بأن بعض أفرادها جاؤوا أصلاً من الفصائل المسلحة القائمة، ثم عملوا عبر قنوات قيادة مختلفة.
وجود هذه الخلايا لا يتعارض مع اللامركزية؛ بل قد يكون أحد تطبيقاتها.
فخروج فريق صغير من سلسلة القيادة التقليدية لفصيل معين لا يعني بالضرورة خروجه من الشبكة الإيرانية الأوسع. وإذا كان أفراد الخلية مختارين من الفصائل القائمة، ويستخدمون قدرات أو خبرات وفرتها الشبكة، ويتصلون بمستوى آخر من مستويات القيادة، فإن وصفهم بـ«المنشقين» يصبح غير كافٍ لتفسير الظاهرة.
الأقرب هو نموذج متعدد الطبقات: توجيه استراتيجي في الأعلى، وقنوات تنسيق وارتباط، وفصائل تقليدية توفر الكتلة البشرية والسلاح والموارد، ثم وحدات تنفيذ صغيرة ومرنة تُستخدم بحسب المهمة.
وهذا النموذج يسمح ببقاء الفصائل الكبيرة سياسياً وعسكرياً، مع تقليل الحاجة إلى ربط كل عملية باسمها وقيادتها المعروفة.
وعند هذه النقطة يصبح التفريق في المسؤولية ضرورياً. فقد تصدر إيران أمراً مباشراً بعملية، وقد تعلم بها أو تنسقها من دون إصدار الأمر، وقد لا يتوافر دليل على أي منهما بينما يعمل المنفذون داخل منظومة ساهمت إيران في بنائها وتسليحها وتدريبها وتوجيهها.
هذه مستويات مختلفة ولا يجوز دمجها. إثبات الارتباط بالشبكة لا يثبت أن طهران أمرت بالهجوم، لكن غياب الدليل على الأمر لا يثبت أن منفذيه مستقلون عنها.
ما الذي يعنيه ذلك للعراق؟
تظهر أهمية هذا التحول مع اقتراب ملف حصر السلاح من مرحلة حاسمة. فالمقاربة العراقية تركز بصورة طبيعية على التنظيمات والأسلحة: أي فصيل يندمج، وأي سلاح يسلم، وأين تخزن المعدات، ومن يخضع للقيادة الرسمية.
لكن اللامركزية تضيف مستوى آخر للمشكلة، فقد يكون المقاتل ضمن تشكيل رسمي، والسلاح في منشأة عراقية، والراتب ممولاً من الدولة، بينما تبقى قنوات اتصال وارتباط قادرة على تحريك جزء من هذه القدرة خارج سلسلة القرار الرسمية.
ولهذا لا يمكن قياس نجاح حصر السلاح بعدد القطع التي تدخل مخازن الدولة فقط. الاختبار الأكثر أهمية هو انتقال سلطة القرار نفسها إلى القائد العام للقوات المسلحة. فالسؤال لم يعد فقط: من يمتلك السلاح؟ بل: من يمتلك قرار استخدامه؟
إذا لم تنتقل سلطة القرار والاتصال والتوجيه العملياتي إلى الدولة، فقد يتغير الوضع التنظيمي للسلاح من دون أن تتغير بالقدر نفسه وظيفته الاستراتيجية.
تقدير ACSR
ترجح الأدلة المتاحة أن إيران انتقلت خلال حرب 2026 إلى درجة أعلى من اللامركزية في إدارة أجزاء من شبكتها المسلحة في العراق. ولا يبدو أن ذلك استبدال للفصائل التقليدية بمجموعات صغيرة منشقة، بقدر ما هو إعادة هندسة لسلسلة القيادة تجمع بين استمرار الفصائل، والتنسيق على مستوى الشبكة، ومنح وحدات أصغر حرية أكبر في التنفيذ.
وعليه، لا يمكن اعتبار كل عملية لم تأمر بها طهران عملاً مستقلاً عنها، كما لا يمكن في المقابل نسبة كل عملية تنفذها جماعة مرتبطة بإيران إلى قرار إيراني مباشر.
وفق هذا التقدير، فإن عبارة «إيران لم تأمر بالهجوم» لم تعد كافية وحدها لنفي صلتها به.
ففي نموذج القيادة اللامركزية، يصبح السؤال الأهم ليس من أصدر الأمر؟، وإنما: من بنى القدرة، ومن يحافظ على الشبكة، ومن يحدد اتجاهها الاستراتيجي، ومن يستطيع إيقافها عندما يريد؟