15 أيلول/سبتمبر 2026

بعد ثلاث سنوات على الاتفاق الأمني بين العراق وإيران، لم يعد الخلاف يدور فقط حول مقدار ما نفذته بغداد وأربيل من التزاماتهما. المشكلة الأحدث أن ما تعتبره بغداد تنفيذاً للاتفاق لم يعد، على ما يبدو، كافياً لطهران.

لكن ثمة مشكلة أعمق من ذلك: إيران تطالب العراق اليوم بمعيار للأمن لا تطبقه هي في علاقتها معه، فطهران تريد من بغداد ألا يبقى على الأراضي العراقية تنظيم إيراني معارض يمكن أن يمثل خطراً محتملاً عليها، في الوقت الذي استمرت فيه طوال سنوات في دعم فصائل مسلحة تعمل خارج القرار الكامل للدولة، وترتبط بالحرس الثوري، وتحتفظ بالسلاح وتستخدم الأراضي العراقية في صراعات إقليمية لا تقررها بغداد. وهذه المفارقة هي التي تجعل أزمة اتفاق 2023 أكبر من قضية المعارضة الكردية الإيرانية وحدها.

اتفاق نُفذ.. لكن إيران تريد أكثر جاء اتفاق 2023 بعد سنوات من الضربات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة داخل إقليم كردستان. وكان جوهره بسيطاً: ألا تتحول الأراضي العراقية المحاذية لإيران إلى مصدر تهديد أمني لها، مقابل توقف طهران عن تنفيذ عمليات عسكرية داخل العراق.

اتخذ العراق وإقليم كردستان منذ ذلك الحين إجراءات واسعة. أُخليت مواقع المعارضة الإيرانية من المناطق الحدودية، وأُبعد عناصرها إلى مناطق في العمق، وقُيدت قدراتها العسكرية، وانتشرت قوات عراقية على أجزاء من الحدود التي كانت توجد فيها تلك الجماعات. واستمرت بغداد وأربيل في مراجعة تنفيذ الاتفاق والتنسيق بشأن التسلل والتهريب وأمن الحدود. لكن ذلك لم يُنهِ المشكلة، فالمطالب الإيرانية الأخيرة، بحسب معلومات منشورة نقلاً عن مصادر عراقية وكردية، لم تعد تقتصر على إبعاد الجماعات عن الحدود أو منع نشاطها العسكري. بل تريد طهران إبعادها إلى دولة ثالثة، وطرحت كذلك تسليم أسماء من قياداتها. وفي الوقت نفسه عادت الهجمات الإيرانية إلى مواقع هذه الجماعات داخل إقليم كردستان.

إيران لا تطلب استكمال اتفاق 2023 بل تغيير غايته. يمكن فهم المخاوف الإيرانية من وجود جماعات مسلحة معارضة على حدودها. ومن مصلحة العراق نفسه ألا تصبح أراضيه منطلقاً لعمل عسكري ضد أي دولة مجاورة. لكن المطلب الإيراني الجديد يتجاوز هذه القاعدة. فإيران تبدو أقل اقتناعاً بأن إبعاد الجماعات ونزع قدرتها على العمل عبر الحدود يوفر لها الأمن. ما يقلق طهران الآن هو بقاء التنظيم نفسه: قياداته، شبكاته، نشاطه السياسي وقدرته المحتملة على إعادة بناء قوته إذا تغيرت الظروف داخل إيران، وبهذا ينتقل تعريف التهديد من فعل يمكن للعراق منعه إلى "احتمال مستقبلي تحدده إيران".

وهنا تصبح المسألة سيادية، فالعراق يستطيع أن يتعهد بألا تنطلق رصاصة من أراضيه باتجاه إيران. لكنه لا يستطيع أن يجعل أمنه الداخلي تابعاً لتعريف دولة أخرى لمن تعتبره خصماً أو خطراً محتملاً.

إقليم كردستان أمام معادلة غير عادلة. تبرز هنا اشكالية أن إقليم كردستان هو الطرف الذي يدفع الكلفة المباشرة لهذا التحول. فقد تحمل الجزء الأكبر من إجراءات تنفيذ الاتفاق، ونُقلت الجماعات بعيداً عن الحدود وقُيد نشاطها العسكري. ومع ذلك عادت أراضي الإقليم لتتعرض للاستهداف. وهذا يضع أربيل أمام سؤال صعب: "ما الذي ينبغي عليها فعله أكثر كي تتوقف إيران عن استخدام القوة داخل الإقليم؟"، إذا كان المطلوب ضبط الحدود، فقد اتُخذت إجراءات واسعة لضبطها. وإذا كان المطلوب منع الهجمات على إيران، فهذا التزام تستطيع بغداد وأربيل مراقبته وفرضه، أما إذا أصبح المطلوب ألا يوجد داخل إقليم كردستان تنظيم سياسي معارض للنظام الإيراني، فإن سقف المطالب يصبح مفتوحاً. والأخطر أن قبول هذه القاعدة يعني عملياً منح طهران حقاً غير معلن في تحديد مستوى الأمن المقبول داخل جزء من الأراضي العراقية: كلما اعتبرت جماعة موجودة في الإقليم تهديداً، يصبح على أربيل الاختيار بين إبعادها أو احتمال تعرض أراضيها للقصف. عندها لا يعود الاتفاق وسيلة لحماية سيادة العراق، بل يصبح الضغط العسكري وسيلة لتعديل السلوك داخل العراق.

أمن إيران وأمن العراق: معياران مختلفان. هنا تظهر المفارقة التي يصعب تجاوزها، إيران تطالب العراق بألا يسمح لجماعات إيرانية مسلحة بالعمل من أراضيه، وهو مبدأ مشروع في العلاقات بين الدول، لكن العراق يستطيع، بالمنطق نفسه، أن يطالب إيران بألا تدعم فصائل مسلحة تعمل خارج القرار السيادي للدولة، وهذا الشرط لم يتحقق.

وهنا يصبح السؤال العراقي مشروعاً: "كيف تطالب طهران بغداد بتفكيك مصدر التهديد الإيراني داخل العراق، بينما تستمر هي في دعم مصادر قوة مسلحة عراقية تنازع الدولة احتكار قرار الحرب والسلم".

الأمن لا يمكن أن يعمل في اتجاه واحد. المشكلة ليست في الاتفاق نفسه. بل في احتمال تحويله من تفاهم متبادل إلى التزام أحادي. فالعراق ملزم دستورياً وسياسياً بمنع استخدام أراضيه للاعتداء على إيران. وينبغي لبغداد وأربيل تطبيق ذلك بصرامة، لكن الالتزام المقابل يجب أن يكون واضحاً أيضاً: ألا تستخدم إيران القوة داخل الأراضي العراقية، وألا تدعم بنية مسلحة عراقية موازية للدولة.

المقارنة هنا تتعلق بمبدأ سيادة الدولة، إذ تطالب إيران بأن يكون قرار السلاح على حدودها بيد الدولة الإيرانية وحدها. ومن حق العراق أن يطالب بالقاعدة نفسها داخل حدوده: أن يكون قرار السلاح والحرب بيد الدولة العراقية وحدها.